النقاش الدائر حول هيئة المصالحة و الإنصاف بالمغرب والتي أوكل إليها طي صفحة الماضي المعروف بسنوات الرصاص، يحتاج في نظري إلى تشريح دقيق ووقفة متأنية لفهم أبعاد الخطاب و خفاياه انطلاقا من الحس النقدي الذي يتوخى البناء رافضا التعاطي الدوغمائي مع الأحداث و الوقائع.
فمند ولادة هيئة الإنصاف و المصالحة والى حدود ما بعد إصدار تقريرها المعلوم، يتبين لنا أن هناك أطروحتين أساسيتين في الإشكالية دون إغفال التصورات المتبقية. الأطروحة الأولى التي دافع عنها بوضوح أحمد شوقي بنيوب إبان مشاركته في برنامج الاتجاه المعاكس و القاضية بترميم البيت الداخلي عن طريق الاستماع إلى الضحايا فقط دون محاكمة الجلادين. هذا التصور ينسجم مع الأطروحة الرسمية القاضية بجبر الضرر و تعويض ضحايا سنوات القمع المظلمة ماديا. الأطروحة الثانية تدافع عنها منظمات و فعاليات حقوقية عديدة وعلى رأسها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي وضح رئيسها عبد الحميد أمين ـ في معرض تدخله في برنامج الاتجاه المعاكس ـ نقطتين مهمتين: الأولى، كيفية رفض هيئةالإنصاف والمصالحة الدخول في موضوع عدم الإفلات من العقاب باعتبار اللجنة تعتبر أن ذلك بالنسبة إليها عبارة عن انتقام وعن ضغينة وعن إثارة للفتنة، النقطة الثانية،تناول فيها كون هيئة الإنصاف والمصالحة لم تتناول الانتهاكات الجسيمة لما بعد سنة 1991 وكأنه ليست هناك انتهاكات جسيمة في المغرب بعد هذه السنة، مع العلم أن الجميع يعرف ما يوجد في السجون المغربية. رئيس الجمعية السالفة الذكر تساؤل في موضوع حقيقة العديد من الملفات الملتهبة من بينها ملف المهدي بن بركة. أقوال من هذا الحجم تدفعنا إلى مساءلة عمل اللجنة التي تود فقط و حسب العديد من المتتبعين ترقيع واقع المغرب الحالي و تلميع وجهه بطريقة ذكية لكنها مكشوفة. فالنضال الديموقراطي الذي دافع عنه ممثل الهيئة وحصره في ما بعد سنة 1975 بطريقة مغالطة للتاريخ،يمثل شعارا قديما رفع مند عقد من الزمن من طرف جهات عديدة دخلت بعض أطرافها في مسلسل التوافق و التصويت على الدستور و دخلت حلقة مخز نية عنوانها العريض: مغرب اليوم يسير بنفس اللعبة لكن بوجوه جديدة .
استغربت مثل العديد من المحللين و المتتبعين للشؤون المغربية لتصريحات أحمد شوقي بنيوب و حتى رئيس الهيئة بنزكري إثر زيارته الأخيرة للولايات المتحدة و التي يصب مجملها في واد واحد ألا وهو الدفاع عن سياسة الجلاد بلغة منمقة و مختارة بعناية. فالجلاد حاضر فعليا، يتمتع بصلاحيات معروفة، يصول و يجول بدون حسيب و لا رقيب و ليس في مزبلة التاريخ كما ادعى بنيوب .
إن الواقع الحالي يجعل المغرب في مفترق الطرق مادام المدافعون الجدد عن الدولة وأجهزتها قد نسوا أن سياسة الترقيع قد طال عمرها بل وصلت إلى مرحلة العجز. فكيف يمكن للمصالحة أن تتم و مع من و بناءا على أي أساس ؟ هل الديموقراطية التي يتبجح بها الكثير و منهم أحمد بنيوب تتحقق عل أنقاض دستور ممنوح ؟من يحق له الحديث عن المغرب و يقول بنهاية الحسم في قضية معينة كما تفوه بذلك ممثل هيئة الإنصاف قائلا: ـ بلادنا حسمت انتقالها الديمقراطي وفي الغد مطروح عليها توطيد الديمقراطية والتصدي لقضايا التنميةـ .
إن مغرب اليوم يمكنه الوقوع في أي لحظة من اللحظات في المستنقع الخطير. فالإصلاح بهذه الطريقة التي تتناسى النقاش الدستوري، الفصل 19، قضايا المختطفين كحالة المانوزي ، المقابر الجماعية ، فصل السلط و هلم جرا يظل عبارة عن صيحة في واد و محاولة عرجاء بل ضحك على الذقون المغربية .
انحياز الهيئة لعدم محاكمة الجلادين هو انحياز فعلي للأطروحة الرسمية ودفاع ضمني عن الجلاد. أما تبرير الواقع بالتلميح بالتخوف من التغيير بواسطة الدبابة الأمريكية و الإسلاميين هو تبرير يرمي فقط تأجيل أي تغيير جذري و معقول يتناسب مع متطلبات المرحلة و انتظارات المغاربة الذين خنقتهم لعنة الانتظار وقتلهم الإحباط.
فلنبتعد قليلا من سياسة در الرماد في العيون و الوصول إلى عمق الأشياء بالانحياز إلى الأطروحة الشعبية و الإنصات إلى نبض المجتمع الحقيقي دون التستر وراء كلام من قبيل الادعاء بالرغبة في الابتعاد عن اللغة الشعبوية .
إن تثوير البنية المخزنية يظل أمرا مفروضا من أجل التطور و التنمية الحقيقية، لأن المخزن كما تقول الباحثة الشابة هند عروب : ليس مجرد هياكل و بنيات إدارية و سلطوية …بل هو نظام شامل من الأعراف و الطقوس و الآليات و المفاهيم و القيم التي تشتعل على أكثر من مستوى.
مغرب اليوم في حاجة إلى تعرية لكل مبادرة أو قرار يتوخى إعادة بناء مخزن جديد بسيناريو مغاير. فجل المعطيات الاقتصادية و الاجتماعية و لغة المنظمات الحقوقية الدولية المستقلة تضع المغرب في رتبة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها سيئة و لا تشرف المغاربة الأحرار.
إن السلطات المغربية والدولة المغربية و كما دعا إلى ذلك عبد الحميد أمين رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يجب عليها أن تقوم باقتسام الحقيقة مع الشعب خاصة ملفات بن بركة، عمر بن جلون،عبد اللطيف زروال ، المانوسي ، المقابر الجماعية وغيرها . فاقتسام الحقيقة جزء من الاصطفاف إلى جانب الإرادة الشعبية.
يجب على الدولة المغربية أن تعتذر لما اقترفته ضد الأبرياء من ضحايا التسلط و القمع. إنها في حاجة ماسة إلى دستور شعبي و ديموقراطي يؤهل الجميع، حكاما و محكومين، نحو مغرب فيه فصل حقيقي للسلط و مؤسسات مستقلة تضمن العيش الكريم للمغاربة عوضا عن دفعهم إلى الانتحار على متن قوارب الموت أو الاحتجاج ليل نهار أمام إدارات و مؤسسات العاصمة.
محمد نبيل ـ صحافي مقيم بألمانيا
